مصطفى لبيب عبد الغني
93
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
الطبيب على التجارب دون القياس وقراءة الكتب خذل » « 1 » . « وقليل المشاهدة المطّلع على الكتب خير ممن لم يعرف الكتب على ألّا يكون عديم المشاهدة » . و « من قرأ أبقراط ولم يخدم خير ممن خدم ولم يقرأ كتب أبقراط » « 2 » . وواضح هنا أن الرازي يدافع عن مهنة الطب بما يلزمها من أصول علمية ضرورية لا ترخّص فيها بوجه من الوجوه ، كما شاع في عصره وبعد عصره أحيانا . وإلى جانب اتقان النظر والاستدلال وأخذ الحظ الأوفر من الثقافة الطبية يوجب الرازي على الطبيب ضرورة العمل على اكتساب الخبرة الاكلينيكية والمران العملي في مدن كبيرة مزدحمة بحيث تتاح له فرصة مخالطة الكثير من الأطباء والتعرف على كثير من الأوبئة التي تنتشر في المناطق السكنية المزدحمة . يقول الرازي « ومن كان يدمن النظر في الكتب فينبغي أيضا أن ينظر في مقدار عقله وفطتنته ، وهل جالس المتكلمين والمتناظرين وهل له قوة في البحث والنظر أم لا . فإن كان قد أطال صحبة هؤلاء القوم واكتسب منهم حظا من القوة على البحث والنظر ، فينبغي أن ينظر هل هو ممن يفهم ما يقرأ أو بالضد . وإذا كان ممن يقرأ الكتب ويفهمها فينبغي أن ينظر هل شاهد المرضى وقلبهم ، وهل كان ذلك منه في المواضع المشهورة بكثرة الأطباء والمرضى أم لا ؟ فمن اجتمعت له هاتان الخلتان فهو فاضل » « 3 » . ونموذج الطبيب عند الرازي هو : « أعلاهم رتبة من الكلام والجدل والمنطق والطبيعيات والتعليم ، ولا يقتصر منه على ذلك وحده ، بل يكون له مع هذا دربة واحتيال كثير ، ومراعاة للمرضى ، وخدمة كثيرة ، حتى لا يقصر عن أحد من المجربين فيما ظهر بالتجربة ، ويفضلهم بالقياس . وهذا الرجل هو الطبيب الفاضل ، ولا يكاد يخفى أمره لأنه يرى دائما نصبا تعبا في النظر والبحث تارة ، وفي مزاولة العمل أخرى » « 4 » .
--> ( 1 ) ابن أبي أصبيعة : « عيون الأنباء » ص 421 . ( 2 ) الرازي : « كتاب محنة الطبيب » . بتحقيق زكى إسكندر ، ص 503 . ( 3 ) الرازي : « المنصوري » ص 121 . ( 4 ) الرازي : « محنة الطبيب » ص 510 - 511 .